عمر فروخ

58

تاريخ الأدب العربي

يكتب عليها وصفاته . وإذا كان هذا العمل في نفسه يدلّ على شيء من الثقة بالنفس وعلى شيء من البراعة ، فإنه - في الوقت نفسه - يدلّ على كثير من الجهل وقلّة التهذيب . وكذلك برع أبو مروان عبد الملك بن زهر ( ت 557 ه ) في التطبيب واشتهر به وكان ناجحا جمع من صناعته ثروة عظيمة . ولكن كانت له آراء شاذّة منها أنه منع الحمّام ( الاغتسال بالماء ) ظنّا منه أن الماء يدخل على الجسم عفونة تضرّ به . ولعلّ ابن زهر هذا كان متأثّرا بسلوكه في ذلك بنصارى أوروبة الذين كانوا يمنعون الاغتسال ، لأنّ الاغتسال يزيل أثر ماء « التعميد » الذي كان طفلهم يغمس فيه لإدخاله في النصرانية . ومن البارعين في المداواة أحمد بن محمد الغافقيّ ( ت 560 ه ) كان عارفا بالأدوية المفردة جامعا لما عرف الأوائل ( القدماء : اليونان ) منها ( طبقات الأطباء 2 : 52 ) . وكانت له كتب منها : « دفع المضار الكلية للأبدان الإنسانية » ( ؟ ) . . . . ( بروكلمن 1 : 643 ) . وفي تلك الحقبة نفسها عاش محمد بن القاسم بن أسلم الغافقيّ الذي بلغ أشدّه في القرن الهجري السادس ، وكان كحّالا ( طبيبا للعيون ) ، وله كتاب مطبوع ( بروكلمن ، الملحق 1 : 891 ) . * * * ونضجت الفلسفة في الأندلس في هذه الحقبة بظهور ابن باجّة ( ت 533 ه ) خاصة . كان ابن باجّة عالما وأديبا وموسيقيّا وفيلسوفا وطبيبا . غير أن شهرته بالفلسفة غطّت على كلّ فنّ آخر له ، فهو الذي بنى التفكير الفلسفيّ على الرياضيات والطبيعيات واقترب بالفلسفة من أن تكون علما ثم قال إن التصوّف يميت الحسّ ويمنع التفكير السويّ في المتصوّف . ويحسن أن نذكر في هذه التوطئة ابن السيد البطليوسيّ ( ت 521 ه ) فلقد كان هو أيضا أديبا ولغويّا وفقيها وفيلسوفا . وتجدر الإشارة هنا إلى كتابه « الحدائق » وهو خمس مقالات فلسفية سهلة الأسلوب موجزة البحث تتناول عددا من الآراء اليونانية عند أفلاطون خاصة - لا تتّفق دائما مع آراء أفلاطون ، وتلك مشكلة معروفة في الفلسفة الإسلامية لا مجال للتبسّط فيها في هذه الأسطر .